تعريف الخطبة لغة: خَطَب يخطُب خَطْباً وخِطبة، والخطيب والخاطب، والخِطب: الذي يخطب المرأة، والمرأة المخطوبة (1).
اصطلاحاً: طلب الرجل التزوج من امرأة تحل له شرعاً(2).
حكم الخطبة ومشروعيتها:تعد الخطبة من الأمور الجائزة المشروعة المستحبة، وذهب آخرون إلى أن حكمها كالنكاح؛ إذللوسائل حكم المقاصد وقد دل على ذلك أدلة كثيرة فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴾ [البقرة: 235].
وجه الاستدلال:جواز التعريض بخطبة معتدة الوفاة وهي في العدة، ومن باب أولى جواز الخطبة تصريحاً لغيرها ممن لا مانع من خطبتها كالعدة(3).
ومن السنة:ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى النبي^ أن يبيع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب الرجل على خِطْبةِ أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب»(4).
ووجه الاستدلال: حرمة خطبة الفتاة التي خطبت من آخر ورضيت به إلا إذا أذن له ــ للثاني ــ بخطبتها أو أنه ترك خطبتها(5)، مما يدل على مشروعية الخطبة إذ اعتبرت خطبة الأول أمراً مصوناً لا يجوز الاعتداء عليه.
ومن الإجماع: أجمعت الأمة المسلمة من لدن رسول الله ^ إلى يومنا هذا على اعتبار الزواج أمراً لازماً بل فيه عبادة، إذ فيه بقاء النوع الإنساني، وإلا لا نقرض الإنسان(1).
أحكام النظر إلى المخطوبة
النظر إلى المخطوبة ومقداره:إذا أراد خطبة امرأة فيستحب له أن ينظر إلى وجهها وكفيها لحديث الرسول ^ للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وقد خطب امرأة: «انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»(2).
ووجه الاستدلال:أن النظر إلى المرأة قبل العقد لمعرفة مصلحة الزوجين في الإقدام على هذا العقد أو لا(3).
رضا المخطوبة بالنظر:مذهب جماهير العلماء عدم اشتراط رضاها، أو تقدم إعلامها دون نظره إلى ما عدا الوجه والكفين، وذلك لئلا يغرر بها بإعلامها؛ فربما رآها فلم تعجبه فتنكسر وتتأذى، ولئلا تتزين فتريه غير مافيها، ولهذا استحب نظره إليها قبل خطبتها إن علم أنه يجاب إلى طلبه، فإذا كرهها تركها دون إيذاء، بخلاف تركها بعد الخطبة، وإلا أرسل امرأة يثق بها قبل الخطبة تنظر إليها وتخبره عنها(4)، وقد صح أن رسول الله ^ بعث أم سليم إلى امرأة وقال: « شمي عوارضها وانظري إلى عرقوبيها»(5).
وذهب المالكية إلى كراهة استغفالها في النظر حتى لا يجرؤ أهل الفساد للنظر إلى النساء مدعين الخطبة (6).
ويشترط عزمه حقاً على خطبتها لقوله ^: «إذا ألقي في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها»(1).
ويستحب نظر المرأة إلى الرجل فيما عدا ما بين السرة والركبة كذلك، فإنهن يعجبهن من الرجال ما يعجب الرجال منهن، ويمكن وصف الرجل لها.. وكل ما مر يكون لهما، لأن المقصود إقامة السنة وهو لهما لا له فقط، فاستويا علة وحكماً(2).
ولا شك أن المس أبلغ من النظر في اللذة وإثارة الشهوة فلا يجوز ولا حاجة له.
وإذا لم يعجب أحدهما الآخر سكت ولم يقل شيئاً، لأن القول إيذاء ولا يجوز(3).
حكم النظر:إذا كان النظر جائزاً لمن علم جواز خطبتها وغلب على ظنه إجابته فما هو حكمه، هل الوجوب أم الاستحباب أم الجواز؟.
ذهب جماهير العلماء إلى استحبابه أخذاً بظاهر الحديث، وقد أجمعت الأمة على
وذهب بعض العلماء إلى إباحته ــ وهو المذهب عند الحنابلة ــ للحديث «انظر» ولأن الأمر بعد الحظر للإباحة(5).
ونظره بشهوة ودونها سواء، وعند الأذرعي ـ من الشافعية ـ : في نظره بشهوة نظر، وقيده ابن عابدين بما إذا علم أنه يجاب في طلبه تزوجها(6).
وهذا مما يؤكد حرمة المس ولو أمن الشهوة، لأن المس أغلظ من النظر(7).
مقدار النظر:إذا جاز النظر، فإلى أي شيء ينظر؟.
يباح له النظر إلى وجـهها وكفيها، ولا يزيد على ذلك، إذ يسـتدل بالوجـه على الجمال، وبالكفين على هيئة البدن وخصوبته، وهو رأي جماهير العلماء(1).
استدل الجمهور:بقوله تعالى: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ﴾ [النور: 31] وذلك لأن الوجه والكفين هما مواضع ظهور الزينة، فالوجه يستدل به على الجمال، والكفان على خصوبة البدن(2).
وإذا كان النظر محدداً، فالخلوة بالمخطوبة لا تجوز إلا إذا كان معها محرم لها(3).
تكرار النظر: يجوز تكرار النظر ويمكن أن يضبط ذلك بمدى الحاجة إليه، أو بثلاث مرات، وذلك ليتبين هيئتها فلا يداخله الندم؛ إذ ربما لا يحصل غرضه بأول نظرة(4).
السؤال عن الخاطب والمخطوبة:يستشار في معرفة الخاطب والمخطوبة، فيجوز له ذكر عيوبه لكن بصدق ويقين دون افتراء وظنة وتهمة، كما فعل رسول الله ^ مع فاطمة بنت قيس، حيث ذكر لها وصف كل خاطب لها ، حين قالت: (إن معاوية بن أبي سفيان وأبا جَهمْ خطباني، فقال رسول الله ^: «أما معاوية فرجل لا مال له، وأما أبو جهم فرجل شديد على النساء»، قالت: (فخطبني أسامة بن زيد رضي الله عنه فتزوجني، فبارك الله لي في أسامة).
ووجه الاستدلال: جواز ذكر ما في الخاطب من الأوصاف نصيحةً وتنبيهاً، فلا يذكر ما كان يعلمه إذا لم يستشر وإلا كان مستغيباً والغيبة كبيرة من الكبائر(5).
ولا يذكر المساوئ والعيوب إلا عند الحاجة الحقيقية، وإلا بأن كان يندفع بغير ذكر المساوئ، كأن يقول له: لا يناسبك ولا يصلح، فلا يجوز ذكر العيوب وحرُم عليه ذكر ذلك.
ولو استشير في حق نفسه فيجب ذكر ما فيه من العيوب إن كانت تثبت للزوجة الخيار، وأما العيوب المقللة للرغبة فيه فيستحب ذكرها من سوء الخلق والبخل، ورجح الشربيني عن شيخه الإجمال بقوله: لا أصلح لكم.
وأما المعاصي فينبغي ستر نفسه وتوبته في الحال.
الخُطبة في الخِطبة: يسن تقديم خُطبة بين يدي الخطبة الجائزة تصريحاً مبتدأة بالحمد لله تعالى والصلاة على رسول الله ^ مختتمة بالوصية والدعاء، ويقوم بها الخاطب أو نائبه ويطلب يد كريمتهم ثم يخطب الولي مجيباً بنحو ذلك.
ويستحب خُطبة أخرى قبل العقد وهي آكد من الأولى.
ويستحب للولي خِطبة أهل الصلاح: كما فعل شعيب مع موسى عليهما الصلاة والسلام، وسيدنا عمر بعرضه حفصة على عثمان ثم على أبي بكر وسكوتهما رضي الله عنهم لعلمهما بطلبها من رسول الله ^.
كما يستحب حسن اختيار المخطوبة:لقوله ^: «تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»(1). أي: نلت الفوز في الحياة الدنيا والآخرة. وقد سئل رسول الله ^ أي النساء خير؟ قال: «التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله»(2).
ألفاظ الخطبة
يمكن أن تكون الخطبة تصريحاً وتعريضاً، وألفاظ التصريح هي: الألفاظ الدالة على إرادة النكاح غير المحتملة لمعنى آخر غير عقد النكاح مما يقطع بالرغبة فيه، ولا يتعين لها ألفاظ مخصوصة(3).
وأما التعريض فهي الألفاظ المحتملة للرغبة في النكاح وعدمها.
ولا يدخل الزوج المطلق صاحـب العدة، إذ يجوز له التصـريح والتعريض، وأما غيره: فقد ذهب عامة الفقهاء بالإجماع إلى حرمة خطبة المعتدة تصريحاً سواء كانت بائناً أو رجعياً من طلاق أو موت ومن فسخ أو انفساخ ومن شبهة أو غيرها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴾ [البقرة: 235] إذ تدل الآية على جواز التعريض وهو دون التصريح مما يدل بالمفهوم المخالف على حرمة التصريح.
وأما التعريض: كقوله: من يجد مثلك، ورب راغب فيك، ولست بمرغوب عنك..
واتفق الفقهاء على جواز التعريض ــ مع تمييزهم بين التعريض والتصريح ــ لمعتدة الوفاة.
وقد دخل رسول الله ^ على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة فقال: «لقد علمت أني رسول الله وخيرته وموضعي من قومي»(1).
واتفق الفقهاء على حرمة التعريض للرجعية وذلك لكونها زوجة. وفيها معنى الزوجية، وقد تود الانتقام فتكذب في انقضاء العدة.
وأما البائن بينونة كبرى فقد ذهب الحنفية إلى حرمة التعريض مطلقاً لأن النكاح قائم من وجه لبقاء العدة، والثابت من وجه كالثابت من كل وجه.
وذهب الجمهور وهو الأظهر عند الشافعية إلى جواز التعريض لكل بائن دون التصريح، وكذلك يجوز للبائن أن تعرض بالجواب دون التصريح.
وفي قول آخر يمنع من التعريض في البائن بينونة صغرى دون الكبرى(2).
وذهب المالكية إلى أنه إن خطب معتدة وعقد عليها في العدة وكان الدخول بعد العدة أو حصلت مقدمات الدخول في العدة فرق بينهما على التأبيد(3).
وحكم جواب المرأة في التصريح والتعريض حكم الخطبة.
شروط الخطبة
1 ــ الخلو عن النكاح والعدة فيحرم خطبة المنكوحة «المتزوجة» والمعتدة من الغير إلا المعتدة من وطء الشبهة فيجوز خطبتها ممن له العدة أثناءها، ما لم تكن معتدة من الغير قبله (1)، ولا شك أن الخطبة المحرمة ليس لها اعتبار كما لو خطب صريحاً في عدة الغير.
2 ــ جواز نكاح المخطوبة: بمعنى أن لا يوجد مانع من موانع الزواج بأن تكون من المحارم المؤبدة أو المؤقتة، كما لايحل له خطبة المطلقة ثلاثاً منه، ولا يحل خطبة الخامسة إذا كان تحته أربع، ويحـرم خطبة من يحـرم الجمع بينها وبين زوجته كأخت زوجته.. كما يحرم خطبة السفيه للثانية(2).
3 ــ الخلو عن الخطبة: تحرم الخطبة على خطبة الخاطب إلا بإذنه ورضاه دون تركه حياءً ونحوه لحديث رسول الله ^: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب»(3)، وذلك لما في خطبة الثاني من إيذاء وقطيعة.
وذهب المالكية إلى أن الخاطب الفاسق لاتحترم خطبته، فيجوز تجاوزه والخطبة على خطبته.
والإعراض وطول الزمان من المجيب يعد إعراضاً يتيح للثاني الخطبة(4).
أ ــ أن تتم الخطبة للأول وتكون جائزة صحيحة فتكون من الثاني محرمة، وتكون جائزة إذا تمت شروطها الخاصة في الخطبة إضافة إلى الشرطين العامين الأولين: الخلو عن النكاح والعدة وجواز نكاح المخطوبة.
عقد الثاني بعد خطبة الأول:
إذا تمت خطبة الأول ثم خطب الثاني وعقد عليها فهل يصح هذا العقد؟
ذهب الجمهور إلى صحة عقد الثاني رغم ارتكابه للمحرم، لأن المنهي عنه هو الخطبة، والنهي عنها لا يبطل النكاح ولا يوجب فسخه، لأنها ليست شرطاً في صحته.
وذهب المالكية إلى فسخ النكاح قبل البناء أخذاً بأن النهي للتحريم والبطلان، ولو لم يطلب الأول الفسخ، أو لم يعلم الثاني بخطبة الأول، فإن دخل الثاني مضى النكاح ولم يفسخ(1).
ب ــ أن يرفض أهل المخطوبة الخاطب الأول أو يأذن للثاني(2).
وهنا يجوز للخاطب الثاني أن يخطبها مع ترك الأول أو إذنه أو رفضه منها ومن وليها.
جـ ــ أن يسكت أهل المخطوبة عن التصريح بالرد أو الإجابة، فإن كان السكوت يحتمل الرضا بأن كان فيه ما يشعر بالرضا ولكن الساكت غير بكر لم تحرم خطبة الثاني عند الحنفية وفي الأظهر عند الشافعية وذلك لأن السكوت لا يبطل شيئاً أي حق الآخرين، وطول الزمان من المجيب ممكن عده إعراضاً. ودليل ذلك: أن فاطمة بنت قيس خُطبت فقالت للنبي ^: «أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ^: «أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد»(3).
وكذلك لا تجوز خطبة المرأة على المرأة إذا كان الرجل من أهل الفضل والعلم واستحبَ خطبته، وعدم الجواز إذا كان يعلم أنه لا يريد التزوج إلا بواحدة وقد تزوج (4).
إن المهر يلزم في عقد الزواج لا الخطبة، ولهذا لو دفع مالاً على أنه مهر لها فلم يتم العقد استرده الزوج بعينه أو بقيمته إن كان متلفاً، وهو بالاتفاق.
وأما الهدايا: فإذا أهدى إليها وأراد أن لا يتم العقد، فإن له استرداد الهدايا القائمة غير المستهلكة قضاء أو مراضاة، وجواز الاسترداد لغلبة الظن أن الهدايا لإتمام الخطبة بالعقد، ولم تتم، وكذلك إذا مات أحدهما فللآخر الرجوع، بينما الاستهلاك يمنع الرجوع بالهبة، وكذلك ما كان من موانع الرجوع بالهبة، من تغير العين المهداة بخياطة.. وما أشبهه، وهو مذهب الحنفية والشافعية.
وفرق المالكية والحنابلة بين الرجوع من جهتها فله الرجوع في الأوجه عندهم إلا لعرف أو شرط، وأما إذا كان الرجوع من جهته فلا رجوع بالهدية مطلقاً، فإذا مات أحدهما فلا رجوع بالهبة.
وذهب بعض الشافعية إلى جواز الرجوع بما أنفقه الخاطب على المخطوبة لأن قصده التزوج بها ولم يحصل، دون التعرض للهبة، وسواء كان الإعراض منهما أو من أحدهما، بل وله الرجوع بعد العقد وقبل الدخول أو بموته قبل الدخول، بخلاف ما لو ماتت هي فلا رجوع(2).
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لو أهدى لزوجته شيئاً ــ لا مخطوبته ــ فطلقها بعد العقد كانت الهدية مطلقة فلا يرجع عليها بما أهداه إلا إذا قيدها بالإثابة فيرجع.
ورجح ابن عابدين أن ما يبعث إليها من ثياب وحُلي ونقود.. يعد من الهدايا لا من المهر، وتقوم الزوجة بتعويضه وإثابته عنها.
وذهب المالكية إلى تشطير الهدية المشترطة لها في العقد أو قبله، فإن طُلّقت قبل الدخول فتأخذ حكم المهر.
وذهب الحنابلة إلى أن ما قبض بسبب النكاح فكالمهر في الثبوت لكله أو لنصفه أو لسقوطه.
وإني أرى اعتبار الهدايا النفيسة كالمجوهرات (التلبيس) والحُلي من المهر إن تمت الفرقة بعد العقد قبل الدخول فتتشطر احتجاجاً بما ذكره ابن عابدين من لزوم تعويض الزوجة وإثابتها الزوج على هداياه، فإن أثابته فلا تعد من المهر ولا رجوع بها، ومما يؤكد ذلك ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من تشطير الهدايا، وهذا يعني إلحاقها بحكم المهر وعدّها منه.
المبحث السابع: تكييف الخطبة وفسخها وأثر العدول عنها
والتعويض عن فسخ الخطبة
آراء الفقهاء في تكييف الخطبة:
قال السيوطي: من العقود ما يحتاج إلى التلفظ بالإيجاب والقبول: ــ وذكر منها ــ الخطبة، بدليل حرمة الخطبة من الثاني عند التصريح بإجابة الأول(1).
ويقول العلامة سليمان الجمل: «والظاهر أن الخطبة ليست بعقد شرعي وإن تخيل كونها عقداً فليس بلازم بل جائز من الجانبين قطعاً»(2).
ولهذا جاز فسخ الخطبة لأنها إذا كانت من العقود الجائزة فيجوز فسخها وإذا لم تكن عقداً بل وعداً، فالوعد غير ملزم قضاء عند الجمهور، ورد الخطبة بعد تمامها ليس ممنوعاً شرعاً، وأما المالكية فيقولون: إن الوفاء بالوعد أمر مطلوب شرعاً، ويترتب على عدم الوفاء به سوء الصلات بين الناس واختلالها، ولذلك كرهوا الرجوع دون غرض لإخلاف الوعد(1)، وهو الصواب.
أثر العدول عن الخطبة في الأدلة الشرعية:
إذا عدل الخاطب عن خطبته فإنه يسبب إيذاءً للمخطوبة وأهلها، ولهذا فإن سيدنا عمر لـمّا عرض حفصة على أبي بكر وعثمان حزن لإعراضهما، وكان حزنه أشد من سيدنا أبي بكر رضي الله عنهم، فاعتذر أبو بكر بأن رسول الله ^ قد ذكرها في حديث طويل: «يقول عمر: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق. فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر... ثم خطبها رسول الله ^ فأنكحتها إياه فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً. قال عمر: قلت نعم. قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ^ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ^ ولو تركها رسول الله ^ قبلتها»(2).
ويتضح تماماً كيف قبل عثمان خطبته حفصة واستنظر للروية ثم اعتذر بعد ذلك فكان سنة في الاعتذار عن الخطبة بعد الإقدام عليها، وكذلك اعتذار أبي بكر لعمر يؤكد هذا(3).
وهذا في كلام بخطبة لم يقترن ببذل نفقات ولا بأوقات تطول يفوت فيها على المخطوبة الخُطاب أو أنها قد تتعلق بخاطبها...
وقد درسنا حكم المهر والهدايا في الخطبة لنستبين بعد ذلك التعويض عن العدول.
التعويض عن فسخ الخطبة:باعتبار أن الخطبة ليست عقداً ملزماً، فقد يوجد الفسخ من أحد الطرفين أو كليهما، وقد تستمر الخطبة ـ مع تراجع الثقة بين الناس ـ لفترة طويلة يترتب عليها الإيذاء للمخطوبة، ولا تتعرض المراجع القديمة لدراسة هذا، إذ كانت الخطبة لا يتأخر اقترانها عن عقد الزواج، ولهذا بحثها المعاصرون.
فذهب الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية إلى عدم التعويض، باعتبارها حق اختيار فلا تناقض أصل مشروعيتها.
وناقش هذه المسألة أبو زهرة وبين أن العدول عن الخطبة حق، ولا يترتب عن استعمال الحق تعويض إلا إذا اقترن بالتغرير إلحاق الضرر من الخاطب بالطرف الآخر أو تسببه به، فيكون التعويض بسبب فعل التغرير لا بسبب الخطبة والعدول وحق الاختيار، كأن يطلب نوعاً من اللباس والجهاز.. أو تطلب تجهيز المسكن.. ، فيعوض عن هذا الضرر لأن للخاطب تدخلاً في إحداثه غير الخطبة والعدول..
وركون أحد الطرفين للآخر وثقته به وظنه عدم افتراض العدول لا يعني ترتب التعويض لأنه اغترار لا تغرير، والتغرير موجب للضمان(1).
بينما ذهب الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر إلى التعويض مطلقاً وهو ماذهب إليه الدكتور مصطفى السباعي لكن وفق شروط ثلاثة هي:
1 ـ أن يكون العدول دون سبب من المخطوبة.
2 ـ أن يلحق العدول الضرر المادي أو المعنوي بالمخطوبة غير الاستهواء الجنسي.
3 ـ أن يؤكد الخاطب رغبته عرفاً وعقلاً في الزواج.
وقد قررت محكمة النقض المدنية في عام 1939مايلي:
1) الخطبة ليست بعقد ملزم.
2) مجرد العدول لا يكون سبباً موجباً للتعويض.
3) إذا اقترن بالعدول عن الخطبة أفعال أخرى ألحقت ضرراً بأحد الخطيبين جاز الحكم بالتعويض على أساس المسؤولية التقصيرية.
وتبين المحكمة قرارها بأنه ينبغي التعويض في الضرر الأدبي والمادي باعتبار أنهما أفعال ضارة موجبة للتعويض(1).
ولكن إذا حصل الفسخ فالذي أراه لزوم التعويض لا لأجل محض العدول عن الخطبة ولكن إذا اقترنت هذه الخطبة بالمسوغات التالية:
1 ـ حصول الفسخ دون تسبب المخطوبة به.
2 ـ إطالة أمد الخطوبة بعذر أو لا، ويعتبر وحده كافياً للتعويض مع السبب الأول.
3 ـ حصول الضرر المادي والأدبي ـ مما لا يخالف الشرع ـ بالمخطوبة.
4 ـ ما يمكن أن يسيء لسمعة الفتاة أو بتركها لوظيفتها.
5 ـ لا تعويض حالة الاغترار، ويعتبر ما مضى من التغرير.
ولأن الله تعالى قد قال: ﴿ﯚ ﯛ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ﴾ [الإسراء: 34].
وإن الوفاء بالوعد أمر مطلوب شرعاً، واعتبر رسول الله ^ إخلاف الوعد خصلة من النفاق.
أحكام الخطبة في قانون الأحوال الشخصية السوري
المادة 2: الخطبة والوعد بالزواج وقراءة الفاتحة وقبض المهر وقبول الهدية لا تكون زواجاً.
المادة 3: لكل من الخاطب والمخطوبة العدول عن الخطبة.
المادة 1: 4 ــ إذا دفع الخاطب المهر نقداً واشترت المرأة به جهازها ثم عدل الخاطب فللمرأة الخيار بين إعادة مثل النقد أو تسليم الجهاز.
2 ــ إذا عدلت المرأة فعليها إعادة مثل المهر أو قيمته.
3 ــ تجري على الهدايا أحكام الهبة.
ولا بد لاستكمال تطبيق هذه المواد من المادة 536/أصول: تختص المحكمة الشرعية بالحكم نهائياً في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين، وتشمل: أ ـ الزواج. ب ـ انحلال الزواج. جـ ـ المهر والجهاز. د ـ الحضانة والرضاع. هـ ـ النفقة بين الزوجين والأولاد. و ـ الوقف الخيري من حيث حكمه ولزومه وصحة شروطه.
شرح المواد:
المادة 2و3: إن المادة الثانية تذكر صور الخطوبة، وفيها تصريح بالوعد، مما يبين أن الخطبة وعد لا عقد، ولهذا تبعتها المادة الثالثة لتنص على ما يؤكدها من حق العدول لكلا الخاطبين.
المادة 4: وميزت المادة الرابعة الفقرة الأولى بين عدول الخاطب أو المخطوبة من حيث رد عين المهر أو قيمته وهو تطبيق لمذهب الفقهاء في المهر من حيث الرجوع أما التمييز بين عدوله وعدولها من حيث أصل الرجوع في المهر بالعين أو بالقيمة فهو رأي المالكية والحنابلة في الهدايا في جزء منه، وإن كان رأيهم من حيث الرجوع وعدمه، ومنحت الفقرة الثانية الخيار للزوجة وإن عدلت هي تنبيهاً إليها، لما يمكن أن ينشأ من ضرر عن العدول قد يلحق بها.
وفي هذا إشارة إلى لزوم التعويض عن فسخ الخطبة في أقل قدر دون التصريح بهذا.
ولذلك ذهبت محكمة النقض (قرار 607تاريخ5/12/1967) إلى جواز استرداد الهدايا إذا لم يكن للفاسخ خطأ، لتعذر تحقق هدف مقدم الهدايا في تمتين أواصر المحبة بين الزوجين بقصد تمام الزواج.
وصرحت محكمة النقض في قرار آخر (286تاريخ 12/6/1968) قائلة: «يجوز الرجوع في الهدايا المقدمة أثناء الخطبة إذا رفضت المخطوبة إتمام الزواج». وبُين في شرح القرار أن لا خطأ ولا تعسف من الخاطب في فسخه الخطوبة(1).
(1) القاموس المحيط: 76، لسان العرب: 5/98.
(2)حاشية ابن عابدين: 2/262، مغني المحتاج: 3/135، الشرح الصغير: 1/376، وفي المغني: 7/520: خطبة الرجل المرأة لينكحها. ور: روح المعاني للآلوسي: 2/150.
(3)القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 3/124، الآلوسي: روح المعاني: 2/150، ابن الجوزي : زاد المسير : 10/276، مغني المحتاج: 3/135، بلغة السالك: 1/376.
(4) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب : لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع، 3/1849، رقم: 4848، واللفظ له. ومسلم: كتاب النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يدع، 3/1439، رقم: 1412.
(5) ابن حجر: فتح الباري: 9/250، عمدة القاري: 20/132.
(2) أخرجه الترمذي وحسنه: 3/397، رقم: 1087. ور: إتحاف الألمعي باختصار وشرح سنن الترمذي لوالدي العلامة التقي الأستاذ الدكتور مصطفى البغا ـ حفظه الله تعالى ـ : 142.
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح، باب: النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، 1/599 رقم: 1864وابن حبان في النكاح 9/350، رقم: 4042، والحاكم في المستدرك: 3/493 .