قصة الأبرص والأقرع والأعمى
قصة الأبرص والأقرع والأعمى
إنَّ حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن تكون حياة الإنسان في هذه الدنيا مزيجًا من السعادة والشقاء، والفرح والترح، والغنى والفقر، والصحة والسقم. هذه هي طبيعة الحياة الدنيا، التي تتميز بسرعة تقلباتها وكثرة تحولاتها، كما قال الشاعر:
"طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار."
فالحياة لا تظل على حالٍ واحدة، وهي مليئة بالتقلبات والابتلاءات، التي هي جزء من الامتحان الذي خُلق الإنسان لأجله، كما جاء في قوله تعالى: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا" (الإنسان 2).
ومن ضمن هذه الابتلاءات التي يواجهها الإنسان، يبتليه الله سبحانه وتعالى بالضراء والسراء على حد سواء، وهذه الابتلاءات لا تقتصر على جانب معين من الحياة، بل تشمل جميع جوانبها. وعلى العبد أن يلتزم بعبوديته لله في جميع الحالات، سواء كانت حالاته طيبة أو سيئة، في السراء أو في الضراء.
أما المؤمن، فيظل ثابتًا في إيمانه عند المصائب، لا يجزع ولا ييأس في الأوقات العصيبة، بل يظل شكرًا لله ويعترف بفضله عليه، ويعمل جاهدًا على أداء حق النعم التي أنعم بها الله عليه. بينما الكافر والفاجر فيصاب بالخوف عند البلاء، ويعاني من الضيق في حال الضيق، وعندما يرزقه الله نعمة، فإنه يكفر بها ويجحد فضل الله عليه، ولا يؤدي حقها أو يعترف بها.
وقد ورد في الحديث الشريف، الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدث عن قصة ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، الذين أصابهم بلاء في أجسادهم، فابتلاهم الله ليختبرهم ويظهر منهم الشاكر وغير الشاكر. فقد بعث إليهم الله ملكًا، فذهب إلى الأبرص أولًا وسأله: "أي شيء أحب إليك؟" فأجاب: "أن يذهب عني برصي ويعطيني جلدًا حسنًا ولونًا حسنًا." فمسحه الملك فزال عنه البرص، وعاد إليه جماله، ثم سؤاله: "أي المال أحب إليك؟" فأجاب: "الإبل." فأعطاه الملك ناقة حاملًا، ودعا له بالبركة.
ثم ذهب الملك إلى الأقرع، الذي سأل أيضًا عن أمنياته، فطلب أن يُزال عنه قرعه ويمنحه شعرا حسنا، فمسحه الملك فزالت عنه القروح وأصبح له شعر جميل، فأعطي بقرة حاملًا بعد سؤاله عن المال الذي يحبه.
ثم ذهب الملك إلى الأعمى، الذي طلب من الله أن يعيد له بصره، فاستجاب الله له ورد عليه بصره، فسأله الملك عن المال الذي يحبه، فأجاب: "الغنم." فأعطي شاة حاملًا، ودعا له الملك بالبركة.
مرت السنوات، وبارك الله لكل واحد منهم في ماله، فأصبح للأبرص وادي من الإبل، وللأقرع وادي من البقر، وللأعمى وادي من الغنم. ثم جاء الملك في صورة مسافر فقير، ليختبرهم مرة أخرى. فتوجه أولًا إلى الأبرص، الذي أنكر نعمة الله عليه، وقال إنه ورث هذا المال عن آبائه. ثم توجه إلى الأقرع، فكان حاله مشابهًا لحالة الأبرص، إذ أنكر نعمة الله عليه وادعى أنه ورث المال كذلك. أما الأعمى، فقد أقر بنعمة الله عليه، وقدم السائل ما طلبه، بل ترك له حرية اختيار ما يشاء من المال.
وفي النهاية، أخبرهم الملك أن هذا كان ابتلاءً من الله، وأن الله قد رضي عن الأعمى وسخط على صاحبيه. هذه القصة تحمل رسالة عظيمة حول كيفية اختبار الناس في الأوقات المختلفة من حياتهم، سواء في السراء أو الضراء، وكيف يُظهر البلاء معدن الشخص، فإما أن يكون مؤمنًا صابرًا، أو مكذبًا جحودًا.
إن هذه القصة تبيّن أن الابتلاء سنة جارية في الحياة، تميز بين المؤمن والكافر، وتمتحن صبر الإنسان وإيمانه. كما يقول الله تعالى في سورة الأنبياء: "ونبلوكم بالشر والخير فتنة" (الأنبياء 35)، وهذه الفتن هي التي تحدد مقدار الإيمان والتقوى عند الإنسان، وتكشف عن مدى استعداده للصبر والشكر في كلا الحالين.
وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" (رواه مسلم). وهذا الحديث يوضح أن المؤمن يجب أن يكون يقظًا في كل حالاته، سواء في السراء أو الضراء، وأن الله سبحانه وتعالى هو من يدبر الأمور.
كما تبرز القصة أن الابتلاء بالسراء قد يكون أصعب من الابتلاء بالضراء. فالكثير من الناس يستطيعون الصبر على المحن والشدائد، لكنهم ينسون أن الابتلاء بالنعمة قد يكون أكثر فتنًا، خاصة عندما يرتاح الإنسان للرخاء ويغفل عن شكر الله وذكره. وكثير من الناس يظل صابرًا في وقت الفقر أو المرض، لكنهم قد يسقطون في فخ الفتنة عندما يرزقهم الله بالغنى والصحة.
وختامًا، ينبغي على المؤمن أن يشكر الله على النعم التي أنعم بها عليه، وأن يتذكر أن النعم يجب أن تُحفظ بالشكر، والشكر يتطلب الاعتراف بنعمة الله داخليًا، والتحدث بها علنًا، واستخدامها في طاعة الله ومرضاته.

القصة التي وردت عن الأبرص والأقرع والأعمى تحتوي على العديد من الدروس والفوائد التي يمكننا تطبيقها في حياتنا اليومية، وتوجيهات دينية تؤثر في سلوكنا وتفكيرنا. إليك بعض الفوائد المستفادة من هذه القصة:
- الابتلاء سنة من سنن الحياة:
هذه القصة توضح لنا أن الابتلاءات سواء كانت في السراء أو الضراء هي جزء من الحياة، ويجب أن نتقبلها بروح صابرة ورضا، إذ أن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده ليختبر إيمانهم ويظهر المعدن الحقيقي للشخص. - الاختبار في السراء أعظم من الاختبار في الضراء:
عندما نعيش في نعمة أو رخاء، قد يكون الابتلاء أكثر صعوبة. فالكثير من الناس يصبرون في وقت الشدة، ولكنهم قد ينسون شكر الله في وقت الراحة والنعمة. في القصة، نرى كيف أن الأبرص والأقرع جحدوا النعمة وكفروا بها في الوقت الذي اختبرهم فيه الملك بعد أن أصبحوا أغنياء. بينما الأعمى، الذي عُوِّض بنعمة البصر، أظهر شكره لله وأدى حق النعمة. - الشكوى والإنكار في مواجهة النعم:
من خلال رفض الأبرص والأقرع الاعتراف بنعمة الله، نكتشف أن الإنكار أو الجحود لله هو طريق الضلال. القصة تعلمنا أنه يجب علينا الاعتراف بنعم الله والشكر عليها، مهما كانت الظروف، وأن النعمة التي نعيش فيها هي بفضل الله وحده. - الابتلاء بالكفر بالنعمة:
القصة تؤكد على أن البلاء ليس فقط في الشدة بل أيضًا في السراء، حيث يظهر الإنسان معدنه في كيفية تعامله مع النعم. عندما يعطى الشخص ما يتمناه، فإنه يختبر في مدى تقديره لهذه النعمة ومدى استجابته لشكر الله. الجحود بالنعمة يقود إلى الهلاك في الدنيا والآخرة. - الفرق بين الصبر والشكر:
القصة تبيّن لنا أن هناك فرقًا بين الصبر في الأوقات العصيبة والشكر في الأوقات الطيبة. الشكر ليس مجرد القول "الحمد لله"، بل هو الاعتراف الداخلي بنعمة الله، والتحدث بها، وتصريفها في مرضاته. لذلك، يجب أن نتعلم كيف نشكر الله على نعمه في السراء مثلما نصبر في الضراء. - المعادن الحقيقية تظهر في الأوقات الصعبة والسهلة:
الأوقات الصعبة قد تكشف عن صبر الإنسان واحتساب الأجر عند الله، بينما الأوقات السهلة قد تظهر الغرور والجحود. القصة تعلمنا أن التحدي الأكبر يأتي عندما يكون لدينا كل ما نريد، فالتوكل على الله والشكر في تلك اللحظات هو ما يميز المؤمنين عن غيرهم. - الحفاظ على النعم يتطلب الالتزام بتوجيهات الله:
النعم التي يعطيها الله لعباده يجب الحفاظ عليها بالشكر والعمل الصالح، وإلا فإنها قد تُسلب. فالشكر لا يقتصر على اللسان، بل يجب أن يظهر في أفعالنا، من خلال استخدام النعمة في طاعة الله، وليس في المعاصي. - الصدق مع الله:
في القصة، رأينا كيف كان الأعمى صادقًا في شكره لله ولم يختلق الأعذار، بينما الأبرص والأقرع كذبا في مواجهتهم للابتلاء واختاروا الجحود. هذا يعلمنا أهمية الصدق مع الله في التعامل مع نعمته وابتلاءاته، وأن النية الطيبة والصافية هي أساس النجاح في الاختبار الإلهي. - إحسان الظن بالله:
الله لا يبتلي عباده إلا لحكمة، وكل بلاء هو فرصة للنمو الروحي والإيماني. المؤمن الحقيقي يعتقد أن كل ما يمر به من مصائب أو نعم هو من رحمة الله. في القصة، يظهر الأعمى إيمانًا راسخًا بحكمة الله وفضل الله عليه بعد عودة بصره. - الطاعات والعبادات تحفظ النعم:
الحفاظ على النعم يستلزم الالتزام بالطاعات والعبادات، فالله يرزق من يشكر، والنعم التي تأتي من الله يجب أن يتم استخدامها في طاعته والابتعاد عن المعاصي.
هذه الفوائد تعزز من وعي الإنسان ووعيه بأهمية الإيمان والعمل الصالح، سواء في أوقات النعمة أو الشدة.